عثمان بن جني ( ابن جني )

192

الخصائص

باب ذكر الفرق بين العلة الموجبة وبين العلة المجوزة اعلم أن أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها ؛ كنصب الفضلة ، أو ما شابه في اللفظ الفضلة ، ورفع المبتدأ ، والخبر ، والفاعل ، وجرّ المضاف إليه ، وغير ذلك . فعلل هذه الداعية إليها موجبة لها ، غير مقتصر بها على تجويزها ؛ وعلى هذا مقاد كلام العرب . وضرب آخر يسمّى علّة ، وإنما هو في الحقيقة سبب يجوّز ولا يوجب . من ذلك الأسباب الستّة الداعية إلى الإمالة ، هي علّة الجواز ، لا علّة الوجوب ؛ ألا ترى أنه ليس في الدنيا أمر يوجب الإمالة لا بدّ منها ، وأن كلّ ممال لعلّة من تلك الأسباب الستّة لك أن تترك إمالته مع وجودها فيه . فهذه إذا علّة الجواز لا علة الوجوب . ومن ذلك أن يقال لك : ما علة قلب واو " أقّتت " همزة ؟ فتقول : علّة ذلك أن الواو انضمّت ضمّا لازما . وأنت مع هذا تجيز ظهورها واوا غير مبدلة ، فتقول : وقّتت . فهذه علّة الجواز إذا ، لا علّة الوجوب . وهذا وإن كان في ظاهر ما تراه فإنه معنى صحيح ؛ وذلك أن الجواز معنى تعقله النفس ؛ كما أن الوجوب كذلك ؛ فكما أن هنا علّة للوجوب فكذلك هنا علّة للجواز . هذا أمر لا ينكر ، ومعنى مفهوم لا يتدافع . ومن علل الجواز أن تقع النكرة بعد المعرفة التي يتم الكلام بها ، وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى ، فتكون حينئذ مخيّرا في جعلك تلك النكرة - إن شئت - حالا ، و - إن شئت - بدلا ؛ فتقول على هذا : مررت بزيد رجل صالح ، على البدل ، وإن شئت قلت : مررت بزيد رجلا صالحا ، على الحال . أفلا ترى كيف كان وقوع النكرة عقيب المعرفة على هذا الوصف علّة لجواز كلّ واحد من الأمرين ، لا علّة لوجوبه . وكذلك كلّ ما جاز لك فيه من المسائل الجوابان ، والثلاثة ، وأكثر من ذلك على هذا الحدّ ، فوقوعه عليه علّة لجواز ما جاز منه ، لا علّة لوجوبه . فلا تستنكر